محمد كرد علي
254
خطط الشام
والمؤالسة ، وإرادة النصح في الجملة ، كان التاجر كل التاجر ، الذاهب في الأرض بجماع المفاخر ، وباستقامة تاجرنا في معاملته ، يدفع عن وطنه كثيرا من الغوائل الاجتماعية ، ولا يهنأ العيش ويطيب ، إلا إذا قلّ توافد الغريب من الجنس الذي قال فيه حافظ : يقتّلنا بلا قود * ولا دية ولا رهب ويمشي نحو رايته * فتحميه من العطب التجارة والاقتصاديات في العهد الحديث « 1 » : نشبت الحرب العامة سنة ( 1914 ) ولم تكن الشام على استعداد للدخول في غمارها ، ولم تأخذ الأهبة الكافية لمقاومة طوارئها ، وما لبثت الدولة العثمانية والبلاد الشامية التابعة لها أن دخلت في صفوف المحاربين إلى جانب الدولة الألمانية وحلفائها ، فحصرت مواني الشام ، وبدأت أسعار البضائع ترتفع تدريجيا ، وذلك في أصناف الملبوسات كأنواع منسوجات القطن والصوف على اختلاف أنواعها ، أو في المأكولات كأنواع السكر والقهوة والأرز ، أو في سائر الحاجيات والكماليات كالبترول ( الكاز ) والكحول ( السبيرتو ) وأنواع المواد القرطاسية والزجاجية والأصباغ والمواد الكيمياوية على اختلاف أنواعها ، وشعر الناس بالحاجة إلى الاقتصاد والتفكر في استجلاب هذه الأصناف من البلاد المجاورة بقدر الإمكان . وقد اشتدت الأزمة الاقتصادية بفقدان الأيدي العاملة أيضا من المدن والقرى ، بسبب النفير العام والتجنيد في جميع أصقاع الشام ، وكان من تخلصوا من التجنيد الإجباري هم الذين لم يتدربوا على التعليم العسكري فدفعوا بدلات نقدية مرات خلال أعوام الحرب . وكانت هذه البدلات تكلف مبالغ طائلة في السنين الأخيرة ، وأعلنت الدولة العثمانية بعد دخولها الحرب ( قانون تأجيل الديون ) بقواعد مخصوصة أقرتها . ولم يلبث الضيق أن عمّ والنقد أن قلّ وخصوصا بعد أن وضعت السلطة العسكرية يدها على جميع وسائط النقل في البلاد مثل السكك الحديدية ودواب
--> ( 1 ) كتب هذا الفصل السيد لطفي الحفار .